عادل عبد الرحمن البدري

97

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

خرجت إليه فقالت : ما أصبت قصعة ولا طبقاً ، فكنس رسول الله ( ص ) بثوبه مكاناً من الأرض ، ثم قال لها : ضعيه ها هنا على الحضيض « 1 » . وقد تأسّى صحابته الأخيار بهذه البساطة ، فيروى عن أبي ذرّ الغفاري قوله : جزى الله عنّي مذمّة بعد رغيفي الشعير ، أتغدّى بأحدهما ، وأتعشى بالآخر وبعد شملتي الصوف ، أتّزر بإحداهما ، وأرتدي بالأخرى « 2 » . ولم يكن وصيّه ( ع ) الذي ملك الشرق بعدله وبسيفه أزهى حالًا من نبيّه وأستاذه ، فقد وصف حاله سويد به غفلة حين بويع بالخلافة قائلًا : دخلت على أمير المؤمنين ( ع ) بعد ما يويع بالخلافة ، وهو جالس على حصير صغير ، وليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً ممّا يحتاج إليه البيت ! فقال : يا ابن غفلة ، إن اللبيب لا يتأثّث في دار النقلة ، ولنا دار أمن قد نقلنا إليها خير متاعنا وإنّا عن قليل إليها صائرون « 3 » . فصور حقيقية التقطها الرواة وعرضوها علينا لن نجد لها مثيلًا في حياة القادة والأمراء الذين تحكّموا برقاب العباد ، وهذه العدالة الصارمة مع النفس تبدو وكأنّها لقطات من حياة لم يكن أبطالها وأصحابها عاشوا على هذه الأرض الغنيّة المعطاءة ، والتي سُخّرت وما عليها وما فوقها لخدمة الإنسان كي يتمتّع بها ويعيش أيّامه المحدودة بالأعمار المقدرة ، ولكن قادة الهدى يعلمون ، كما ذكر كاتب معاصر « أنّ الناس ينظرون إلى الحاكم نظرة الاقتداء والتأسّي في أكثر الأصعدة والمجالات ويتعلّمون منه السياسية والأخلاق والتعامل مع الأحداث والمواقف الحيوية » « 4 » .

--> ( 1 ) التمحيص : 48 ح 79 . ( 2 ) أمالي الطوسي : 702 . ( 3 ) عدّة الداعي لابن فهد الحلي : 109 . ( 4 ) فاضل الصفار ، الحكومة الديمقراطية : 120 .